الراية السوداء التي ترتفع فوق قبتي الإمامين الحسين والعباس (عليهما السلام) تمثل أكثر من مجرد رمز للعزاء، إذ تختزن معاني دينية وإنسانية تتجاوز حدود المناسبة الزمنية.

في تقليد سنوي معتاد وفي ليلة الاول من شهر المحرم الحرام، تتجه أنظار الملايين من المؤمنين والمعزين صوب مدينة كربلاء المقدسة، إذ تقام أبرز المراسم الدينية والوجدانية وحتى العقائدية لتبديل راية قبة الامام الحسين وأخيه العباس (عليهم السلام) من اللون الأحمر إلى اللون الأسود، إيذانا ببدء موسم الحزن والعزاء.
ومع حلول شهر عاشوراء يتجدد الحدث التاريخي السنوي في طقس رمزي، حيث يحمل بين طياته معاني الولاء وتجديد العهد مع مبادئ النهضة الحسينية الخالدة.
فعالية تبديل الرايات تكون وبشكلها المعتاد في معظم العتبات المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء والكاظمية المقدسة، وحتى المزارات والمقامات التابعة للوقف الشيعي على حد سواء، إذ تتوشح العتبات كافة بالسواد فوق القبب الشريفة، حزنا واستنكارا لفاجعة الطف الخالدة، التي هزت ضمير الإنسانية ووجدانها على مر العصور.
دلالات رمزية
وتشهد مناسبة تغيير الراية حضور شخصيات دينية ورسمية من داخل العراق وخارجه وحشد كبير من المؤمنين، الذين يتواجدون بالقرب من مرقد أبي عبد الله، وجمع غفير من أبناء القوات الأمنية، الذين يمثلون رمزا وامتدادا لمسيرة التضحية والفداء ورفض الظلم والاستبداد، فضلا عن إلقاء القصائد والمرثيات في حضرة الامام الحسين (عليه السلام).
استبدال الراية الحمراء بأخرى سوداء على قبة ضريح الحسين عليه السلام، يحمل الكثير من الدلالات الرمزية والعقائدية، اذ تشير إلى الحزن على ما جرى لأبي عبد الله وأهل بيته وصحبه في ملحمة الطف الخالدة، وهي لدى آخرين قاموس يذكّر الأحرار في كل العالم بضرورة الثأر للإمام الشهيد، ليس من سل السيف عليه وعلى أهل بيته واصحابه فقط في ملحمة كربلاء، بل من كل ظالم على وجه الأرض، فشهادة الحسين صرخة بوجه الظالمين في كل مكان.
عاشوراء ومنعطفات الكون
بهذا الصدد بيّن الدكتور سعد الدين البناء المشرف العام على مدارس الأيتام في العتبة الحسينية المقدسة بالقول: “لا تقاس عاشوراء بحوادث الدهر، بل بمنعطفات الكون، مع الحسين كل هزيمة انتصار وبدون الحسين كل انتصار هزيمة، ولأن قصة عاشوراء لم تكتمل فصولها، فإن كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء، فالشهادة تزيد في أعمار المستشهدين، اعتادت مدينة الامام الحسين “ع “منذ مئات السنين على تبديل الراية الحمراء ذات الدلالة الكبيرة، ومنها أن الشهيد لم يأخذ بثأره بعد من قبل الواعد لها بالثأر، ألا وهو إمام زماننا (عجل الله فرجه الشريف)،
فلذا نرى الجميع يصرخ بنداء يا لثارات الحسين بالراية السوداء، إيذانا بقدوم ذكرى شهادته وقدوم شهر الحزن والمصائب، وبناء على توجيهات سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي وسماحة السيد احمد الصافي بوضع مراسم خاصة لهذه المناسبة وعلى إثر ذلك، فقد تم تشكيل لجان مختصة لغرض الاستعداد وتهيئة المستلزمات المطلوبة لاحياء هذه المناسبة، وبدأ العمل بهذه المراسم منذ العام 2004 وأصبحت مناسبة تقصد من مختلف محافظات العراق ومن الدول العربية والأجنبية، ولأن الإمام الحسين للجميع، فإن مختلف الأديان والمذاهب تشارك فيها.
وأما بخصوص دلالات رفعها روحيا ومعنويا أجاب البناء: “لرفع هذه الراية دلالة على إعلان الحزن وكما أسلفنا على آل بيت المصطفى (عليهم السلام)، والفاجعة الكبرى التي ليس لها مثيل عبر آلاف السنين، علما أن الراية تجدد سنويا وتهدى إلى إحدى المؤسسات والحسينيات خارج العراق للتبرك بها”.
شرف التبديل
المسؤول عن تبديل الراية في العتبة الحسينية المقدسة فاضل عوز تحدث عن شعوره وهو يرتقي القبة الشريفة بالقول: “أتشرف كل عام بتبديل راية الإمام الحسين منذ بداية العمل بهذه المراسم، وهذا فضل من الله سبحانه وتعالى، ونعمة كبيرة أنعم بها علي ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)،
أما شعورنا فلا يوصف مداه وأنا أتشرف بحمل الراية والصعود بها نحو قبة سيد الشهداء لأعتليها بفخر وإبدلها إلى الراية السوداء، فهنا تقصر العبارات والكلمات عن الجواب، لأن هذه النعمة في حقيقة الأمر وأقولها بكل عقيدة إنها لحظات لا تحسب من العمر والشعور الكبير الذي لا يمكن وصفه، فعند رفعها يرد على البال حجم المصيبة الكبيرة والأسى والظلم على آل بيت الرسول، وهم في رمضاء كربلاء غرباء لا ناصر لهم ولا معين.
الأسود إكرامًا واحتسابًا لعظمة تضحية سيد الشهداء
مسؤول الإعلام في العتبة الشريفة عباس الخفاجي بيّن ان “الحدث التاريخي الكبير ومن بينها فعالية تبديل الراية ستتم في الساحة المقابلة لباب القبلة، التي تتسع لآلاف المعزين والمشاركين، فالحشود ستتجه أيضا صوب العتبة العباسية المقدسة، نحو مرقد حامل لواء الإمام الحسين (عليه السلام) لتبديل راية قبته الشريفة بحضور المتولي الشرعي سماحة السيد احمد الصافي، وعدد من منتسبيها، فضلا عن الأكاديميين والشخصيات الدينية والإعلامية”،
مضيفاً “هي مراسم غاية في القدسية والروحانية لاستذكار قضية الطف، وما رافقتها من تضحية وبسالة بينت للعالم أجمع حجم القضية الحسينية وامتدادها، لتعد رسالة عظيمة للحفاظ على الدين الاسلامي وحدثا تاريخيا كبيرا لا يمكن تجاهله، لذا اتخذت العتبة الشريفة هذا الاجراء، إيذانا ببدء شهر الحزن والعزاء، ومنه ينطلق تبديل رايات المراقد المقدسة إلى اللون الأسود إكراما واحتسابا لعظمة التضحية لسيد الشهداء.”
مراسم تلامس القلوب
تستقطب مراسم تبديل الراية آلاف الزائرين، الذين يتوافدون إلى الصحن الحسيني الشريف من مختلف المحافظات العراقية، ومن دول عربية واسلامية عديدة ومع لحظة رفع الراية السوداء تتعالى أصوات الدعاء والمراثي الحسينية، في مشهد يمتزج فيه الحزن بالإيمان والانتماء.
ويقول أحد الزائرين: “نشعر في كل عام وكأننا نعيش بداية قصة كربلاء من جديد، فرفع الراية السوداء يوقظ فينا قيم التضحية والإصلاح، التي خرج من اجلها الإمام الحسين (عليه السلام)”.
رسائل تربويَّة وإنسانيَّة
ويرى مختصون في الشأن الديني أن هذا التقليد السنوي لا يقتصر على البعد العاطفي، بل يحمل رسائل تربوية مهمة للأجيال الجديدة، اذ يرسّخ مفهوم التمسك بالمبادئ وعدم الخضوع للظلم ويعزز قيم الصبر والإيثار والكرامة الإنسانية، كما تمثّل المناسبة فرصة لاستذكار الدور الإصلاحي لثورة الإمام الحسين (عليه السلام)، التي تجاوزت حدود الزمان والمكان لتصبح مدرسة إخلاقية وإنسانية تستلهم منها الشعوب معاني الحرية والعدالة.
ويبقى تبديل راية الإمام الحسين (عليه السلام) حدثًا ينتظره الملايين بشغف وتأثر، لأنه يمثل بداية رحلة روحية تمتد طوال شهر محرم، يستحضر خلالها المؤمنون قيم النهضة الحسينية وأهدافها السامية، الراية التي تنزل وأخرى ترتفع، يتجدد عهد المحبين بأن تبقى رسالة كربلاء حية في الضمائر، ومنارة تهدي الأجيال إلى طريق الحق والكرامة.
وكشفت العتبة الحسينية عن تفاصيل مراحل صناعة الراية، التي تمر بست مراحل دقيقة، تبدأ بتصميم وتجهيز القماش الأحمر المخصص لكتابة كلمة “يا حسين” بالخط الكوفي الفاطمي بقياسات دقيقة تبلغ (105×335) سم.
وتنتقل بعدها الكلمة إلى مرحلة القطع الليزري، حيث يتم إعدادها بدقة عالية لتكون جاهزة للتثبيت على القماش الأسود، قبل أن يجهز القماش الأسود بقياسات رسمية.
والمرحلة الثالثة تتضمن تفصيل الأبعاد وخياطة كلمة “يا حسين” على الوجهين يدويا باتقان خادمين مختصين، ثم تنتقل الراية إلى مرحلة التطريز حيث تنفذ الحروف بخيوط من الحرير، وبعد الانتهاء من التطريز، تدخل الراية مرحلة التنظيف والكي والتزيين، حيث تنظف برفق وتكوى بعناية ثم، يثبّت شعار العتبة الحسينية في طرفها، قبل أن توضع في كيس مخصّص يحمل اسمها وتاريخ رفعها وتعطر بعطر خاص، لتسلم بعدها إلى اللجنة المختصة برفعها على القبة الشريفة.
المصدر: شفقنا

